بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم، أعزّاءنا متابعي كلية مودرنا.
نشكركم على اختياركم قناة كلية مودرنا لمتابعة أحدث الأخبار والأبحاث والتطورات العلمية من مختلف أنحاء العالم. ونسعى دائماً إلى تقديم أحدث الإنجازات العلمية بلغة واضحة ودقيقة، مستندة إلى الدراسات والأدلة العلمية الموثوقة. وفي تقريرنا اليوم نسلّط الضوء على دراسة حديثة في مجال الصحة النفسية، قد تمهّد مستقبلاً لأسلوب جديد يعزز فعالية العلاج النفسي لدى المصابين ببعض أكثر الاضطرابات النفسية تعقيداً.
فقد كشف باحثون في دراسة نُشرت حديثاً في مجلة Psychiatry Research عن نتائج واعدة تشير إلى أن استخدام بخاخ أنفي يحتوي على هرمون الأوكسيتوسين قبل جلسات التأمل القائمة على تنمية التعاطف مع الذات، قد يساعد الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الحدّية على الاستفادة بصورة أكبر من هذه الجلسات العلاجية.
ورغم أن هذه النتائج لا تزال في مراحلها البحثية الأولية، فإنها أثارت اهتماماً واسعاً بين علماء الأعصاب والمتخصصين في الطب النفسي، لأنها تشير إلى إمكانية تحسين جودة الاستجابة للعلاج النفسي من خلال دعم بعض العمليات البيولوجية في الدماغ.
ويُعد اضطراب الشخصية الحدّية، المعروف اختصاراً بـ BPD، من أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً. ويعاني المصابون به عادةً من تقلبات انفعالية حادة، وصعوبة في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والعاطفية، وخوف شديد من الرفض أو الهجر، إلى جانب الشعور المزمن بالفراغ، والسلوكيات الاندفاعية، والانتقاد القاسي للذات.
ويؤكد المتخصصون أن كثيراً من هؤلاء المرضى يعيشون سنوات طويلة وهم يعانون من الشعور بالخجل واللوم المستمر لأنفسهم، الأمر الذي يجعل حتى تمارين التعاطف مع الذات أو تقبّل النفس أمراً بالغ الصعوبة. بل إن محاولة معاملة النفس بلطف قد تستحضر لدى بعضهم ذكريات مؤلمة وتجارب عاطفية سلبية، وهو ما يعرقل الاستفادة من العلاج النفسي.
ومن هنا جاءت فكرة هذه الدراسة، حيث اتجه الباحثون إلى دراسة تأثير هرمون الأوكسيتوسين، وهو هرمون يُنتج بصورة طبيعية في الدماغ، ويلعب دوراً مهماً في بناء الثقة، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وتنظيم الانفعالات، وتنمية مشاعر التعاطف. ولهذا السبب يُعرف أحياناً في وسائل الإعلام باسم "هرمون الترابط الاجتماعي" أو "هرمون المحبة"، مع أن العلماء يؤكدون أن وظائفه أكثر تعقيداً من هذه التسميات الشائعة.
وخلال السنوات الأخيرة، أجريت عشرات الدراسات في مختلف أنحاء العالم لاستكشاف الدور المحتمل للأوكسيتوسين في علاج اضطرابات مثل الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطراب طيف التوحد، واضطراب الشخصية الحدّية. إلا أن نتائج تلك الدراسات لم تكن متطابقة، إذ أظهرت بعض الأبحاث فوائد محتملة، بينما لم تجد دراسات أخرى تأثيراً واضحاً، ولذلك لا يزال الأوكسيتوسين حتى اليوم قيد البحث، ولم يُعتمد علاجاً معيارياً لأي من هذه الاضطرابات.
وما يميز هذه الدراسة الجديدة أنها لم تهدف إلى إثبات أن الأوكسيتوسين يعالج اضطراب الشخصية الحدّية بحد ذاته، وإنما سعت إلى معرفة ما إذا كان يمكن لهذا الهرمون أن يساعد المرضى على تحقيق استفادة أكبر من جلسات العلاج النفسي، وأن يقلل من العوائق النفسية التي تمنعهم من ممارسة تمارين التعاطف مع الذات بصورة فعالة.
وشملت الدراسة ثمانية عشر مريضاً شُخّصوا رسمياً باضطراب الشخصية الحدّية، وتم توزيعهم عشوائياً إلى مجموعتين. تلقت المجموعة الأولى بخاخاً أنفياً يحتوي على أربعٍ وعشرين وحدة دولية من الأوكسيتوسين قبل كل جلسة علاجية، بينما تلقت المجموعة الثانية بخاخاً وهمياً لا يحتوي على المادة الفعالة. واعتمد الباحثون أسلوب "الدراسة العشوائية المزدوجة التعمية"، بحيث لم يكن المرضى ولا المعالجون يعرفون من تلقى العلاج الحقيقي ومن تلقى العلاج الوهمي، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة في البحوث الطبية.
وخضع المشاركون لبرنامج استمر خمسة أسابيع، تضمن جلسات أسبوعية للتأمل الموجّه القائم على تنمية التعاطف، إضافة إلى ممارسة هذه التمارين يومياً في المنزل. وشملت التدريبات تخيل شخص يمنح الشعور بالأمان والطمأنينة، ثم توجيه مشاعر الرحمة واللطف تدريجياً نحو الذات، إلى جانب تمارين تخيل مكان آمن، وتصور ألوان تبعث على السكينة، وتمارين الوعي بالجسد.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين تلقوا الأوكسيتوسين تمكنوا من تكوين صور ذهنية إيجابية ومطمئنة والمحافظة عليها بصورة أفضل من المجموعة الأخرى، كما كانوا أقل تأثراً بالأفكار الناقدة للذات أثناء ممارسة التأمل. ومن اللافت أن الفارق الأبرز ظهر في القدرة على بناء الصور الذهنية الإيجابية، بينما لم تُلاحظ فروق كبيرة في الإحساس الجسدي بالدفء أو الراحة.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال أولية، إذ اقتصرت الدراسة على عدد محدود من المشاركين، وكانت الغالبية منهم من النساء، مما يعني أن النتائج لا يمكن تعميمها في الوقت الحالي على جميع المرضى. كما أن الدراسة لم تثبت بعد أن تحسن جودة التأمل يؤدي بالضرورة إلى تحسن الأعراض السريرية أو جودة الحياة على المدى الطويل.
ورغم هذه المحددات، يرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن في فتح آفاق جديدة أمام الطب النفسي، إذ تشير إلى إمكانية استخدام بعض العوامل البيولوجية لتعزيز فعالية العلاج النفسي، بدلاً من الاعتماد على الأدوية وحدها. ويُعد هذا التوجه جزءاً من المسار الحديث نحو الطب الشخصي، الذي يسعى إلى تصميم العلاج بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية والنفسية لكل مريض.
كما أعلن فريق البحث أنه أنجز بالفعل دراسة أوسع نطاقاً تضم عدداً أكبر من المرضى، وتشير نتائجها الأولية إلى أن الأوكسيتوسين قد يسهم أيضاً في تحسين جودة الحياة وبعض الجوانب الأخرى لدى المصابين باضطراب الشخصية الحدّية، إلا أن هذه النتائج لا تزال بانتظار النشر والمراجعة العلمية.
ويؤكد المختصون أن هذه الدراسة لا تعني إطلاقاً إمكانية استخدام بخاخ الأوكسيتوسين دون إشراف طبي، وأن تشخيص اضطراب الشخصية الحدّية وعلاجه يجب أن يتم دائماً على يد أطباء نفسيين واختصاصيي علاج نفسي مؤهلين. ولا يزال العلاج النفسي، وخاصة العلاج السلوكي الجدلي والعلاجات القائمة على تنمية التعاطف، يمثل الخيار العلاجي الأكثر فاعلية وفق الأدلة العلمية الحالية.
وفي ختام هذا التقرير، نتوجه إليكم بجزيل الشكر على حسن متابعتكم. وإذا كنتم ترغبون في مواكبة أحدث الأخبار والاكتشافات والأبحاث العلمية من مختلف أنحاء العالم، فلا تنسوا متابعة قناة كلية مودرنا وتفعيل الإشعارات، ليصلكم كل جديد في مجالات الطب، والعلوم، والتكنولوجيا، والابتكار.
إلى لقاءٍ قريب في تقريرٍ علمي جديد، دمتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.